المواضيع الأخيرة
» البشير بودالحليو
الإثنين أكتوبر 14, 2013 12:48 am من طرف عامر عثمان موس

» البشير يساه في تغير مجري نهر سيتيت ب
الإثنين أكتوبر 14, 2013 12:45 am من طرف عامر عثمان موس

» سدى اعالى نهر عطبرة وسيتيت من الخيال الى الواقع
السبت مارس 16, 2013 5:23 pm من طرف د.محمد يوسف

» ان لله وانا اليه راجعون
الأربعاء يونيو 20, 2012 10:07 pm من طرف ودالصافي

» محمد حسن مرعي يكمل نصف دينه
الإثنين مارس 05, 2012 3:13 pm من طرف ودالصافي

» إنجاز غير مسبوق
السبت مارس 03, 2012 3:50 am من طرف خالد حسن

» عزاء واجب
السبت يناير 28, 2012 3:11 am من طرف خالد حسن

» سلامات ودالخليفة
السبت يناير 28, 2012 3:01 am من طرف خالد حسن

» مطربة اريتريا الاولى هيلين ملس في منتدى ودالحليو
الأربعاء يناير 04, 2012 5:21 am من طرف Adil

» ودالحليو يابلدي
الخميس ديسمبر 15, 2011 1:07 am من طرف نجم الدين عبدالله محمد

» منح دراسية
الأحد ديسمبر 04, 2011 11:56 pm من طرف Idris

» جقرافية ودالحليو
الأحد نوفمبر 20, 2011 4:58 am من طرف عامر عثمان موس

» سعدت كثيرا عندما قرات هذا العنوان منتدي ابناء ودالحليو
الخميس نوفمبر 03, 2011 8:07 pm من طرف مثابه ودالحليو

» خيرات سد نهر سيتيت
الأحد سبتمبر 25, 2011 3:46 pm من طرف عامر عثمان موس

» محادثات باللغة الانجليزية بالفديو
الأحد سبتمبر 25, 2011 3:14 pm من طرف عامر عثمان موس

» عجبت لهذا في هذا الزمان
الثلاثاء يوليو 12, 2011 8:10 pm من طرف نزار محمود

» محاضرة عن الارقام للاستاذ حسب الله الحاج يوسف
الإثنين يوليو 04, 2011 10:21 pm من طرف وضاح حسب الله الحاج يوسف

» الف مبروك للاخوين الصادق والطاهر عبدالله الطاهر
الأربعاء مايو 18, 2011 2:25 am من طرف ودالصافي

» ابو بكر مرعي عريسا
الأحد مايو 15, 2011 10:49 pm من طرف ودالصافي

» انا لله وانا اليه راجعون
الخميس مايو 12, 2011 5:06 am من طرف Idris


اثيوبيا فوق طيات السحاب بقلم د.ابراهيم الخضر

اذهب الى الأسفل

اثيوبيا فوق طيات السحاب بقلم د.ابراهيم الخضر

مُساهمة  Adil في الخميس مايو 27, 2010 11:29 pm

رحلة من جامعة افريقيا العالمية إلى جامعة الجنرال لنساناكونتي بغينيا كوناكري

توجهت بنا الطائرة الأثيوبية من مطار الخرطوم شرقاً إلى الجارة أثيوبيا (5فبراير2010م) ونحن نقصد مالي والسنغال وغينيا كوناكري في زيارة علمية تستغرق ستة عشر يوماً بالتمام والكمال . هذه الدول أكثر قرباً للسودان حسب مسافات الجغرافيا واتجاهاتها وخطوط طولها ، ولكنها أبعد زمناً منه إن أردت الوصول إليها ، وذلك إن قصدتها فعليك أن تشرق أولاً لساعة ونصف بالطائرة في اتجاه أديس أببا لتبدأ رحلتك من هناك في اتجاه الغرب الجغرافي لست ساعات متواصله حتى تصل إلى مطار باماكو عاصمة مالي الشقيقة – كما فعلنا -.
في أديس أمطار على مدار الساعة ، ومطارها شُيد على قمة جبل ليستقبل طائرات الدنيا كلها ، وهو رحب السِّعة ، متطور البناء ، ومكتظ يموج بحركة القادمين والرائحين . تفاجئك حيوية الشباب الأثيوبي ، وهم يديرون شئونه بدأب وشغقٍ وانسجام وتفان ، كأنهم اطلعوا على قول رجل اليابان المشهور ((سوزوكي)) حين قال: ((عندما تؤدي شيئاً ما ، عليك أن تؤديه بكامل جسمك وتفكيرك ، يجب أن تركز على ما تقوم به ، عليك أن تقوم به يشكل كامل ، كالنار المتأججة ، لا كالنار التي يخنقها الدخان )) .
لفتت حركة الشباب وحسن خلقهم ومعاملتهم للمسافرين – لفتت – انتباه زميلي في كلية التربية د. أزهري ، فخاطبني قائلاً : (( هل ترى بين العاملين في هذا المطار فرداً تجاوز عمره الثلاثين عاماً ؟ )) فرددت عليه بقول الشاعر :
وزدت على العشرين عشراً ، وما الفتى إن لم يُفقْ في مثلها بمُفيق ؟
وأيقنت أن سر تطور الخطوط الأثيوبية يكمن في أنها تمكنت من أن تبلغ ما بلغته من شأوٍ وتميزٍ دون رصيفاتها الافريقيات بسبب اعتمادها على سواعد الشباب وسعيهم الجاد وهمتهم العالية ومقدرتهم على استيعاب ما يجد من تطور وتقدم في علوم التقنية والإدارة وفن التعامل والتواصل مع المسافرين والمتعاملين معها ، إضافة لضبط جودة الأداء وتحسين النوعية اللتان لابدَّ أنها تهتم بهما كامل الاهتمام .
يقول الحسن البصري : (( لا عقل كالتدبير ، ولا حسب كحسن الخلق ولا غنى كالرضا . )) . وجاء في الأثر : الغفلة ظلمة ، والجهالة ضلالة ، والعلم حياة ، والتواضع أحد مصايد الشرف .
وبذلك كله – حسبما هو واضح في المطار الأثيوبي ، وعلى متن طائرات الخطوط الأثيوبية – يكمن سر تفوق هذه الخطوط ، وهو الأمر الذي مكَّنها من امتلاك أكثر من أربعين طائرة نفاثة من ذوات الحمل الثقيل ... تجوب أفريقيا مدينة مدينة – ثمان وعشرين محطة – وتذهب إلى آسيا وأوربا وأمريكا بكل ثقة وأمان ... وتحصد جوائز التميز عاماً بعد عام – كما ورد على صفحات مجلتها – سلاماتا – التي تحدثك عن أثيوبيا سياحة وثقافة ومعالم ، وعن افريقيا مدناً ودولاً وقارة . وتذكر لك بأنها الآن قد أكملت إجراءات توقيع عقد لشراء اثنتي عشرة طائرة جديدة حديثة التصنيع دقيقة الأداء.
تقول ( مارج بيرس ) في قصيدتها المترجمة عن الإنجليزية :
الأشخاص الذين أحبهم أكثر من الباقين
هم أولئك الذين يتدفقون إلى العمل بكل كيانهم
دون تلكؤ فيما لا جدوى منه
يخوضون عباب العمل بقوة إلى أن يغيبوا عن الأنظار
ويبدون كما لو أنهم تحولوا إلى أجزاء أصيلة من ذلك العنصر
أحب الأشخاص الذين يتولون المهام الصعبة
الذين يجرون العربة الثقيلة بِجَلَدٍ مثل جاموس الماء
الذين يجهدون أنفسهم في السير بين الوحول
والأقذار كي يدفعوا الأمور قدماً
الذين يؤدون الواجب دون كلل( )
يلفت انتباهك أمران تتحدث عنهما الخطوط الاثيوبية أولهما أنها لا تكتفي بنقل الركاب والبضائع وافتتاح المحطات وربط دول القارة كلها – كما أسلفنا – بل يتعدى طموحها ذلك ، وتتبنى مشروعاً قومياً طموحاً لإعادة الغطاء الشجري لكامل الأراضي الاثيوبية ، حيث هالها أن الزَّي الأخضر الذي كان يكسو الوطن تراجع بنسبة كبيرة ، فبينما كان في زمن سابق يغطي 60% من مساحة البلاد ، أضحى لا يمثل إلا 3% من مساحتها الشاسعة ، مما ترتب عليه فقر مدقع لمعظم السكان ، وجوع وعوز ونزوح وهجرة بسبب الجفاف والتصحر الذي صاحب إنزواء الغابات وانحسار الأشجار والنبات ، وهي التي كانت تجعل الجو صحواً معتدلاً والمرعى أخضر خصباً والمزارع منتجة مثمرة والاستقرار ممكناً وآمناً . وقد اختفى كل ذلك بسبب إزالتها والتغول عليها من الإنسان والحيوان وعوادي الطبيعة والزمان .
تتبنى الخطوط الاثيوبية مثل هذا المشروع الكبير وكأنها تود أن تعلق بأنها تسطيع أن تحمل همُّ وزارات المالية والزراعة والبيئة والسياحة والثروة الحيوانية مجتمعة . وكأني بها تود أن ترسل رسالة للدنيا كلها بأنها تهدف إلى غرس قيم ومفاهيم الحياة السعيدة الرغدةة في عقول الركاب من كل لون وجنس ، وهي الحياة التي تقوم على تكامل المسئولية الوطنية التي تنبذ الكسل والخمول والتواكل واليأس. وتعتمد على حب العمل والنشاط البناء المفيد والوصول به إلى تحقيق الأهداف عبر توظيف الإمكانات المتاحة ورعايتها وإدارتها إدارة محكمة واثقة دقيقة .
يقول القرني : (( وأصدق الأسماء كما أخبر عليه الصلاة والسَّلام حارث وهمام ، فالإنسان صاحب قدرة وإدارة زُوِّد بهما ليعمر الحياة ... فيسعد وبُسعد الآخرين ، فإن عطلهما فهو الكَلُّ ))( ) .
أما الأمر الثاني فتتحدث المجلة في موضوع محكم البناء والمعني عن كيفية تحقيق الأهداف والوصول إلى الغايات الموجبة المفيدة ، ويقرر الكاتب أن المرء إذا أراد أن يصل إلى هدفه فعليه أن يحدده أولاً ثم يسجله في ورقة ، يقول : (( لابدَّ أن تسجل أهدافك المحددة على ورقة إذا كنت تريد أن تكسب هدف الحياة ... )) وعليك وضع أهدافك وأحلامك أمامك في كل الأوقات لتتذكرها دائماً ولتحولها من الخيال في يومك هذا إلى واقع تلمسه في غدك القريب ... خذ قطعة من الورق وسجل عليها عشرة أهداف كبيرة أو صغيرة من التي تود تحقيقها في أثني عشر شهراً ... قم بهذا التمرين الآن ... )) .
ويسترسل الكاتب في توجيهاته التي يرى أنها تقود إلى النجاح في أي عمل من الأعمال ، وهو يركز على أن أي هدف أو حلم يمكن تحويله من تصور وخيال إلى خطة تكتب وخطوات تتبع يمكن القيام بها في وقت معلوم وخط مرسوم ويقظة مطلوبة وهمة غير مسلوبة .
ويلاحظ القارئ أن الأمرين مرتبطان ارتباطاً لا فكاك منه .. فإن أرادت الخطوط الاثيوبية زراعة سبع ملايين شجرة في أرض الحبشة في عام واحد – كما ذكرت – فعليها وضع خطة لذلك وتوفير موارد مالية وبشرية ذات خبرة وعزيمة مع مراعاة الدقة لبداية زمن العمل والانتهاء منه . وزراعة الأشجار المناسبة لمناخ اثيوبيا التي تقع في منطقة مدارية ذات جبال عالية في حدودها الجنوبية (جبل تولو ديمتو 4.377 متر ، وجبل نيالا بالقرب من مدينة قامبيلا ، .. مع تواجد السلاسل الجبلية التي تكاد تغطي أرض الحبشة كلها كجبل باتو وجبال بيل والتي تجري وتنحدر منها أنهار وتنبع في وسطها بحيرات كبحيرة تانا الشهيرة التي ينطلق منها النيل الأزرق إلى فيافي السودان الرحبة الوعرة .. بجانب عدد كبير من الأنهار كنهر العياش ونهر بارو وهما من أشهر الأودية الجارية في اثيوبيا .
وخاتمة الحديث تتلخص في أن الهدف من هذا المقال عن الخطوط الاثيوبية هو لفت الأنظار والاستفادة مما ورد من ملاحظة عن أهمية النشاط والجد والسعي بهمة عالية في تنفيذ الواجبات والمهام – أي مهام – وهو ما جعل تلك الخطوط رائدة في مجالها ناجحة في عملها واثقة في أداء بعض الأهداف الأخرى التي ترتبط بتطوير الحياة في وطنها .
ويمكننا الاستفادة من كل ذلك في الحياة السودانية بكل أشكالها ومظاهرها حتى نتمكن نحن أبناء السودان - من إزالة بعض المفاهيم الخاطئة التي ظل يواجهنا بها أبناء الدول الأخرى – العربية والغربية وحتى الافريقية – وهي فِرْيَة أضحى كل سوداني في دول المهجر يسمعها وتُردد أمامه حتى كادت (فرية الكسل والتسكع) أن تكون سمة من سمات أهل السودان في أذهان الأمم والشعوب قاطبة .. وهي بالتأكيد (فرية) ينبغي أن نعجل ونعمل بجد على إزالتها ومحوها من تلك الأذهان حتى لا نُدمغ بها أينما حلت ركابنا ، ويمكننا أخذ العظة والعبرة من اخواننا الأحباش الذين قصدنا أن نمتدحهم لأنهم من بني ارومتنا وهم أهل لنا ونحن أهل لهم .. كما ذكر العلامة عبد الله الطيب – وهم بالفعل من بني أرومتنا من لدن النجاشي الحبشي الذي أسلم بعد أن أصغى إلى من هاجر إليه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد سماعه إلى بعض آيات من الذكر الحكيم من الصحابي جعفر بن أبي طالب فقال قولته المشهورة ((إن الذي قلته والذي نزل على عيسى ليخرج من مشكاة واحدة)). فأسلم إسلاماً صادقاً جعل النبي صلى الله عليه وسلم يدرك يوم وفاته – دون خبر من الأرض – فيُعلم صحابته بموت أخيهم النجاشي ويطلب منهم أن يصلوا عليه صلاة الغائب .
وخلاصة القول فإن الأحباش يستحقون المدح والثناء على تدبير أمر خطوطهم الجوية التي عملت على تحقيق النجاح فحققته .
قال الشاعر :
لا تمدحن امرءاً حتى تجربه ولا تذُمَنَّه من غير تجريب

وهبطت الطائرة في مطار (بوماكو) بمالي في تمام الرابعة – بتوقيت قرينيتش – الموافق الخامس من شهر يناير عام 2010م . فاستقبلنا العاملون في مطارها بأريحية وأدب وسرعان ما خرجنا من المطار فتذكرت وصية عربية لأب يوصي بنيه قال :
* يا بني إنكم تسافرون وتدخلون بلداناً لا يعرفكم فيها أحد ، فتمسكوا بوصيتي تحظوا بها عند كل ما ترونه .
عليكم بصحبة الأخيار فإنها تدل على الحرية ، ونظافة الثوب فإنها تدل على التنبُّل في النعمة ، وطيب الرائحة تظهر المروءة ، والأدب الجميل فإنه يكسب المحبة ، ولتكن عقولكم فوق آدابكم ، وقولكم دون فعالكم ، والزموا الحياء والأنفة فإنكم إن استحييتم تجنبتم الخساسة ، وإن أنفتم لم بتقدمكم أحد في مرتبة .
وهبطت الطائرة بعد أن طارت من مطار أديس أببا في خط مستقيم عبر الجنوب السوداني فاتجهت شمالاً نحو الأراضي التشادية وعبر الصحراء الافريقية التي حجبتها العواصف الترابية عن أعين الراكبين في الطائرة . عبرت النيجر ثم مالي التي قصدت جنوبها الأقصى حيث مدينة بوماكو العاصمة التي تقع على حافة نهر النيجر الذي يتلوى ويتعرج عبر الصحراء في مسافات طويلة يغالب ويتحدى رمالها وكثبانها ويصارع تلالها وتحترق حدود عدد من دول افريقيا ليهب لساكنيها الحياة .. هو بالتأكيد هبة من الله تعالى لقاطني تلك الدول . وكما يقول اخواننا في أرض الكنانة بأن (مصر هبة النيل) . فيجوز لأهل مالي أن يقولوا : (مالي هبة النيجر) – النهر طبعاً – الذي حينما يدخل أرضها يتفرع فيسقي الناس والأنعام والأشجار الكثيفة الخضراء الباسقة ، والمزارع اليانعة التي تحيط بمدينة (بوماكو) العاصمة ، والتي هي أقرب شبهاً بعاصمة السودان من حيث المباني والطرقات والمعمار والسكن العشوائي حولها من هنا وهناك ؛ لولا أن مظاهر التمدن والغابات الأسمنتية بدأت تطل برأسها في الخرطوم عقب الطفرة البترولية الحديثة.
سألت أحد الأصدقاء من مالي ، وهو أستاذ مساعد في جامعة (بوماكو) .. درس في السودان ، ومكث بها اثنتي عشرة سنة حتى نال درجة الدكتوراة من الجامعة الإسلامية بام درمان .
سألته : ما وجه الشبه بين السودان ومالي ؟ !
فأجاب : لا يوجد فرق بيننا في (السحنات) والهيئات (وتقاطيع) الوجه (وبنيات) الأجسام ، وكل شخص من مالي له شبيه في السودان ، والفرق بيننا وبينكم أن قطاع كبير من السودانيين يتحدثون العربية في كل أرجاء السودان حتى في الجنوب . ونحن هنا نتحدث الفرنسية وندرس بها وهي لغة المكاتبات والوزارات والتعليم . لا تتحدثون الإنجليزية بالرغم من أن استعماركم كان إنجليزياً ، وتعلمون لين جانب الإنجليز ومداراتهم في التعامل مع مستعمريهم وحرص الفرنسيين على غرس أفكارهم وتوطيد أركان ثقافتهم ولغتهم في نفوس مواطني مستعمراتهم ... وما من لغة أوربية تمكنت وبقيت بعد خروج أهلها مثل اللغة الفرنسية التي ما زالت هي اللغة الأولى في معظم دول القارة الافريقية التي رزحت تحت الاحتلال الفرنسي وما تزال .
يقول صاحبي : إن نسبة المسلمين في مالي أكبر مما في السودان إذ يبلغ عدد المسلمين عندنا أكثر من 90% من العدد الكلي للسكان .
قلت له : نحن في السودان حينما خرج الإنجليز من بلادنا عمدنا إلى التعريب حتى ضاعت العربية والإنجليزية كلتاهما .. فلا أبحرنا في علوم العربية التي أردناها ولا أبقينا على الإنجليزية التي رجعنا نبحث عنها عند الآخرين وطفقنا نفتح لها المعاهد والمراكز ونبعث أبنائنا لتلقيها في دول أوربا وآسيا وأمريكا وإنك لا تكاد تجد في زماننا هذا من يجيدها تحدثاً وكتابة بين أبناءنا إلا من أبتُعث أو هاجر بعيداًً إلى أرجاء الدنيا طلباً للعلم أو التخصص.
قال صاحبي : مقارناً بين مالي والسودان - : لديكم مشروع كبير في الجزيرة أقامه الإنجليز لإنتاج القطن فاستفادوا منه في مصانع غزلهم ونسجهم بلانكشير البريطانية ، ولدينا هنا مشروع موازٍ في حجمه لمشروع الجزيرة ولكن لانتاج الأرز اسمه مشروع (إفش نيجر) ! بمقاطعة (سيكاسو) المالية أقامه الفرنسيون ليوفر الطعام لهم ولنا في مالي حيث الوجبة الرئيسية عندنا هي الأرز وأفضلها بإدام يسمى (نقولان) وهو خليط من البامية والسمك الذي تغير طعمه ولونه ورائحته وهو يشبه ملاح (الكول) و (ملاح الشرموط) عندكم في السودان .
سكان مالي يستجلبون الأرز والفاكهة من خارج بلادهم مثل أهل السودان تماماً بالرغم من وجود المياه الوفيرة في نهري النيجر والنيل وتمدد المساحات الخصبة والأمطار الغزيرة والتنوع المناخي الملائم والصالح لإنبات كافة أنواع الخضر والمزروعات والفاكهة بأنواعها المتباينة .
وفي مالي التي كانت إلى وقت قريب تسمى بالسودان الفرنسي في مقابل السودان الإنجليزي تتنوع الأجناس وتتعدد القبائل واللهجات إلا أن النسيج الاجتماعي والتماسك الأثني يبدوان أكثر قوة مما هو حادث في السودان وذلك بالرغم من وجود بعض التململ الذي أبداه بعض سكان الشمال الأقصى من البلاد وتمكن بعضهم في مرحلة سابقة من جلب بعض الدعم العسكري لفصائلهم المتمردة عبر بعض الدول التي اعتادت أن (تتلقف) كل تمرد وتمده بالمال والسلاح وتحرضه على الخروج والثورة على النظم القائمة .. ولا يغيب ذلك على ذي فطنة - . ويبدو واضحاً أن أهل مالي تمكنوا من احتواء هكذا تمرد بعد أن لبوا بعض مطالب القائمين به فأسكتوا الفتنة واستوعبوا عدداً مقدراً من أعضائه في الجيش ومهن ووظائف الدولة المدنية ، الأمر الذي دفع بقائدهم إلى الابتعاد والهجرة بعيداً إلى بلد آخر للإقامة فيه . فانطفأت نار الحرب ، وعمَّ السلام أرجاء مالي التي انطلقت تبحث عن التنمية وتطوير ما تذخر به من موارد طبيعية ومعادن كالحديد والكروم والفوسفات والذهب والبترول في جبالها الممتدة على طول البلاد وعرضها .. ومالي غنية بمواردها الزراعية وحتى بكسبان رمالها في صحاريها الواسعة في الشمال تماماً كما هو حال البلاد السودانية التي تحتل الصحاري أجزاء شاسعة من مساحتها في الصحراء النوبية وصحراء العتمور وصحراء شمال دارفور وكردفان ومعلوم أن ذرات الرمال الصحراوية تحتوي على قدر كبير وكميات وافرة من مادة السلكون التي اكتشف أخيراً – حسب المعلومات المتوفرة في وسائط الاتصال الاليكتروني – أنها تعتبر من أهم مصادر الغنى والرفاهية واسعاد الناس بعد أن تعرف علماء من الغرب المتقدم على أن مادة السلكون هذه تدخل كمكون رئيس وهام في صناعة كل الأجهزة الاليكترونية الدقيقة ومنها صناعة الحواسيب والهواتف والأجهزة الحساسة في مركبات الفضاء ومعدات استخدام الطاقة الشمسية والمعدات الطبية النادرة الاستخدام لعلاج بعض الأمراض والعاهات المستعصية ... الخ .
ولقد بدأ سكان مالي الذين يبلغ عددهم حوالي 18 مليون نسمة في النظر إلى المستقبل وبناء قدراتهم وتطوير وطنهم فأخذوا يهتمون بالبنية التحتية وتطوير الريف ونشر العلم ورفع القدرات وافتتاح الجامعات والمراكز المهنية المتخصصة .. كما بدأوا الانفتاح على العالم فهم لا يرفضون الآخر ويقبلون أن تأتي المنح العربية والافريقية والغربية لبناء المعاهد والمراكز العلمية . ولقد زار الكاتب كلية زايد آل نهيان للعلوم الاقتصادية والقانونية التابعة لجامعة بوماكو .. وهي كلية تمَّ بناؤها تحت إشراف وخبرة سودانية قام بها إبن السـودان الشيخ/أحمد حامد – وهو رجل محبوب عند أهل مالي وعند الزائرين إليها من أهل السودان . أوفدت إحدى المنظمات الخيرية العربية السيد أحمد حامد لبناء تلك الكلية حتى غدت مكتملة البناء وانتظم في الدراسة بها أعداد غفيرة من الطلاب الماليين . ولغة التدريس فيها اللغة الفرنسية وهي اللغة الأولى في مالي ، ولا حول لأحد أن يَدرس أو يُدرس بغيرها ، إلا في أقسام اللغات والألسن المتوفرة في الجامعات المالية ، إلَّا أن الماليين في حياتهم العامة يتحدثون بلغاتهم ، المحلية وعددها أكثر من أربعين لغة ولهجة محلية تعترف الدولة بثلاثة عشر لغة منها ، وتدرس في أقاليمها بجانب الفرنسية في مدارس الدولة .
وأهل مالي يحبون لغة القرآن الذي يحفظه عدد كبير منهم في المساجد والخلاوي ، ويسعى العديد من شبابهم إلى تعلمها ويعتبرون أن السودان أحد المراكز الهامة التي تتيح لهم ذلك وخاصة جامعة افريقيا العالمية التي تخرَّج منها عدد كبير من الطلاب الماليين ، وروجوا لشهادتها الثانوية العالمية ، ولمعهد اللغة العربية للناطقين بغيرها .. وهم يعلمون أن هذه الشهادة السودانية تمكنهم من الدخول إلى أي جامعة يرغبون في الالتحاق بها . ويلاحظ أي زائر سوداني أن هذه الأعداد التي درست في جامعة افريقيا العالمية . يلحظ . أنهم يشكرون لهذه الجامعة صنيعها بأنواع الشكر كلها (شكر النية ، وشكر اللسان ، وشكر العمل) ومن استكمل هذه الثلاثة فقد بلغ غاية الشكر .
وقد درجت جامعة افريقيا العالمية – منذ أن كانت مركزاً افريقياً إسلامياً – علي إرسال بعثات من أساتذتها لإكمال إجراءات الامتحان لمن يود أن يلتحق بالجامعة لنيل الشهادة الثانوية العالمية ، والتي هي قسم من أقسام كلية التربية بالجامعة. وهي شهادة تعتبر منحة تمول تكاليفها الجامعة والداعمون الخيرون من أبناء العالم الإسلامي . وفيها يتلقى الماليون وغيرهم من أبناء افريقيا دراسات نظرية وأكاديمية (عن بعد) في مواد الرياضيات والكيمياء والفيزياء والأحياء والجغرافيا والدراسات البيئية والدراسات الإسلامية المتخصصة والعامة واللغة العربية العامة والخاصة واللغتين الإنجليزية والفرنسية وآدابهما .
ولقد كانت هذه المعلومات التي وردت في هذا المقال – الذي بين يديك أخي القارئ – من ثمار رحلات جامعة افريقيا إلى عدد من بلدان غرب القارة الافريقية ومنها مالي الشقيقة .
ذكرنا سابقاً أن الحكومة المالية تهتم باللغات المحلية وتتيح الفرصة لكل إقليم أن يدرس أبناءه اللغة السائدة في ذلك الإقليم . وهي لغات القبائل الكبرى في مالي ، كقبيلة (البمبرا) ولغتهم واسعة الانتشار ولغة (الفولاني) وهي قبيلة ذات انتشار ملحوظ في افريقيا كلها فنجدهم في مالي والسنغال وموريتانيا وغينيا كوناكري وبوركينافاسو ونيجيريا ، والكمرون وتشاد والسودان ... وغيرها .
وللطوارق في شمال مالي عدد من اللهجات واللغات أشهرها لغة (التماجك) ويسميها البعض لغة (تماشق) ، ولغة السونغاي وتسمى لغتهم (سقي) ولغة السونِنكِي – بكسر النون الأولى والكاف – وتسمى لغتهم (سوننكو) .
ومعلوم أن مالي بها ثمانية أقاليم كبرى وهي كالولايات عندنا في السودان . وهي (كاي ، كوليكرو ، سيكاسو ، سيقو ، مبتي ، وتمبكتو ، (غابي غاو) وكيرال) .
نالت مالي استقلالها عام 1960م ، وتعاقب على رئاستها عدد من أبنائها هم : بالترتيب : (مودي بوكيتا ، ثم موسى تراوري ، ثم أمدو توماتي ، توري ، ثم ألفا عمر كوناري ثم أحمدو توماتي توري للمرة الثانية وهو رئيسها الحالي الذي جاءت به الديمقراطية التي فرضها هو بعد انقلاب عسكري فلم يتم اختياره في الانتخابات الأولى ، ولكنه تمكن من المنافسة الشريفة لاحقاً فأصبح رئيساً لمالي وفق دستورها ونظامها الديمقراطي الذي رضي به الجميع والرئيس الحالي أسمه احمد توماتي توري ) ويطلقون عليه (امدو) بدلاً من (احمد) لصعوبة نطق (الحاء) في لغاتهم واللغة الفرنسية .
ويسمونه (أتت) أو (A.T.T) اختصاراً لاسمه أحمد توماتي توري – بأوائل الأحرف في اسمه الثلاثي - الألف والتاء والتاء .
وفي عهده توسعت الدولة في بناء المدارس والمعاهد – كما ذكرنا – في كافة أقاليم الدولة وفي عاصمة الدولة – بوماكو – ذات الثلاث ملايين نسمة تقريباً وبلغ عدد الجامعات أكثر من ست جامعات أهمها وأكبرها جامعة (باماكو) التي يبلغ عدد طلابها أربعة وستين طالباً وطالبة (64) .
و(بوماكو) ترتبط مع عواصم الأقاليم في مالي بطرق بعضها معبد وبعضها في طريقه للتعبيد و(السفلتة) . ويصِلها بداكار عاصمة السنغال في جوارها الغربي خط للسكك الحديدية يربطها بالأطلسي ويساعدها في حركتي الصادر والوارد .
وأخيراً يلحظ الزائر أن الطائفة التيجانية طائفة ذات شعبية واسعة وأتباع كثر في مالي خاصة ، وبقية دول الغرب الافريقي عامة ، وهي سائدة في كل أقاليم مالي وفي ذلك فهي شبيهة بالقطر السوداني التي تنتشر فيه أفكار وشعائر وأوراد هذه الفرقة الدينية ، ويتواجد أتباعها في كل صقع من أصقاع السودان المتباعدة . ومعلوم أن التيجانية كطريقة دينية مستقيمة ظهرت في شمال السودان وغربه في وقت مبكر جداً على يد العرف بالله الشيخ أحمد الهدي السورابي ، الذي يقال أنه تلقى تعاليمها كفاحاً من شيخها الأول أحمد التيجاني رضي الله عنه . وهو الذي نشر تعاليمه وأورادها في شمال السودان ووسطه فعمت بعد أرجاء البلاد السودانية مشرقاً ومغرباً .

كوناكري مدينة وادعة ترقد على حافة المحيط الأطلسي في أقصى الغرب من قارة افريقيا ، تحيط بها مياهه من ثلاث جهات ، ولا يدخلها الراجل سيراً إلَّا من جهة الشرق ، وصلناها بعد أن حلقت بنا الطائرة من مالي لساعة من الزمان ، وبعد أن علت فوق السحاب لم نعد نرى سوى مجاري المياه ومسايلها التي جرفت التربة السمراء الواقعة بين البلدين – غينيا كوناكري ومالي – ويبدو أنها مساحات تعج بالغابات والزروع ومساكن الأرياف ، وتتمدد على جنباتها السلاسل الجبلية الغنية بالمعادن كالذهب والفضة والنحاس وواضح أن هذه المنطقة تمثل (بيوماً استوائياً) غنياً متنوع الحياة ومتباين النشاط –البشري والحيواني والنباتي-. مدَّ الغربيون خطاً للسكك الحديدية يربط هذا الشمال الغيني بمدينة كوناكري لنقل ما تنتجه المناجم من المعدن النفيس .
وكوناكري مدينة قديمة تحاول أن تجدد نفسها وأن تغالب الفقر والعوذ وأن ترتمي في أحضان الأمل طلباً للحياة . مطارها غير مزدحم ويخلو من الطائرات العملاقة ، وهي الميناء الرئيس والعاصمة التي تدار منها شئون الدولة . وهي مدينة اقتصادية منفتحة تدخلها سفن الدنيا كلها ، وتجد فيها كل أهل الأرض ... من إفريقيا ، وآسيا ، وأوربا ، والأمريكتين ، يتجرون ويستثمرون ويسيحون .
وأنت تخرج من مطارها متجهاً إلى داخل المدينة يواجهك مبنى شاهق ، فإن سألت عنه مرافقك يقول : ( إنها السفارة الأمريكانية ) . وهي تشبه في شكلها الخارجي سفارتهم في (بوماكو) بمالي من حيث الحجم والتصميم وقد بنيت هكذا وبهذا الحجم الكبير للدلالة على المصالح الاقتصادية التي تربط بين أمريكا وهذه الدول ، وهي مصالح قديمة اندثرت ، وأخرى حديثة تجددت وتطورت !
مكان السكن المعد مؤقتاً لموفد الشهادة العالمية التابع لجامعة افريقيا العالمية يتبع – هذا المسكن – إلى جامعة الجنرال لانسانا كونتي ، وهي الجامعة الأكبر والأعظم في غينيا كوناكري ، تقع في ضاحية من ضواحي العاصمة تسمى (سنفونيا) ، وقصر الضيافة الذي أمضينا فيه أسبوعين تلفه الوحشة الضاربة من كل جنباته لقلة المساكن حوله إلَّا أنه يتميز بتنوع حيوي – كما يقول أهل الجغرافيا والبيئة – وتملؤه شجيرات المانجو والزينة والظل التي تتنوع في علوها وتوسطها وتسلقها .
تقع جامعة الجنرال في مكان مرتفع ، يُمكن للناظر منه أن يرى معالم المدينة التي تكثر بها المساجد في الأحياء وعلى الطرقات الرئيسة وحتى داخل المطار وفي الحدائق ومباني الحكومة والميناء وبالقرب من المقابر والمزارع والأسواق وفي كل مكان ، ولا عجب إن علمت – أخي القارئ – بأن نسبة المسلمين في تلك الديار البعيدة تتجاوز الـ 90% من جملة السكان الذين يدينون بدين الإسلام ، وفي ذلك تأكيد وآية من آيات صدق المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي قال في فجر رسالته المباركة وقبل ان تتجاوز بطحاء مكة ، قال : ( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلَّا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل ... ) (مجمع الزوائد 6/17).
الآن ونحن في أقصى بقعة من غرب افريقيا السمراء والمآذن عند صلاة الفجر تملأ الفضاء بالتكبير – الله أكبر – والهيللة – لا اله إلا الله – والحمدلة والبسملة والسبحلة والنداء إلى الصلاة . وأسماء الطلاب في الجامعات : محمد وأبو بكر والحسن وعبد الله . وإحدى جامعات كوناكري اسمها جمال عبد الناصر ، ومراكز العلم والحضارة العربية والإسلامية لها وجود في اكبر الجامعات الغينية ، ونجد مركزاً شاهقاً كذلك داخل حرم جامعة لانسانا كونتي اسمه ( مركز الملك عبدالله بن عبد العزيز آل سعود للغة والحضارة العربية ) . دخلت مع مرافقي إلى إحدى قاعات هذا المركز لنسلم على أستاذ النحو الذي درس في المركز الافريقي الإسلامي قبل سنوات ، فتحوَّل عن درسه ، ورحب بنا ، وتعرف علينا ، وطلب منا أن نستمع إلى فقرات من درس النحو الذي يلقيه على طلاب المستوى الثالث ، وعنوان الدرس مكتوب بخط جميل صحيح واضح : ( مَصْدَرُ المَرَّة ) ، فقال لهم بالحرف : ( ليس في كلام العرب مصدرٌ للمرة الواحدة إلَّا على وزن ( فَعْلَة ) – بفتح الفاء وسكون العين – ، نحو : ( سجدت سَجْدَة ) (وقُمْتُ قَوْمَة ) ولكن خرج من هذا الحكم : ( حِجَّة ، ورُؤْيَة ) فنقول : ( حججتٌ حِجَّة ) ، و ( رأيت فلاناً رُؤية ) . الأولى بكسر الحاء ، والثانية بضم الرَّاء . وتركناه يسألهم عما فهموا وخرجنا من قاعة الدرس الجديدة الفسيحة التي بناها الملك عبد الله عاهل السعودية ، فقابلنا أستاذ مشارك في ذات الجامعة وهو من خريجي المركز الافريقي وبُعث منه إلى إحدى الجامعات المغربية بعد أن تعلم العربية وحفظ القرآن في المركز . فذهب إلى المغرب لإعداد رسالة ماجستير ثم دكتوراة . فأنجز ما بُعث من أجله في علم الإدارة ، وأردفها برسالة دكتوراة أخرى في القانون – وبعدها رجع إلى بلده ليعمل أستاذاً بكلية القانون في جامعة الجنرال لانسانا كونتي .. له ذكريات وانطباع حسن عن فترة دراسته بالسودان .. ما زال يتذكر بروف الطيب زين العابدين ، و بروف عبد الرحيم علي ، ود. معتصم عبد الرحيم ، وطلب مني أن أحمل – رسالة تقدير وتحية وسلام لأستاذه دكتور كمال عبيد – وقد أَقْرَأْتٌ "كمالاً" السلامَ عن د. ألفا عبد الله ، أي أَبلغته إِياه - .
الزائر لكوناكري أو أي مدينة من مدن دول غرب افريقيا يلحظ ما قامت به جامعة افريقيا العالمية وقبلها المركز الإفريقي الإسلامي من دور في نشر المعرفة والعلم والوعي بتلك البلدان النائية ، ويشاهد ما قدمته كلا المؤسستين الأكاديميتين من واجب نيابة عن المسلمين في كل مكان ، ونيابة عن أولئك الذين تُحدثُهم أَنفسُهم بضرورة القيام بواجب نشر الدعوة بالحسنى واللين ، والسعي بالنفس والمال لنشر علوم القرآن وتحفيظه ، وتوسيع دائرة التخاطب والتحدث والتعبُّد بلغته المباركة وآياته المحكمات.
كوناكري مدينة مزدحمة ، يسكنها أكثر من مليون فرد من جملة عشرة ملايين نسمة هم سكان غينيا كوناكري ، تقع على المحيط أسوة بجاراتها عواصم دول غرب إفريقيا الأخرى ، التي تطل جميعها عليه فالرباط في المغرب ، ونواكشوط في موريتانيا ، وداكار في السنغال وبيساو في غينيا بيساو ، ومنروفيا في ليبريا ، وفريتاون في سيراليون ، وابديجان في ساحل العاج كلها تطل على الأطلسي وكلها موان وعواصم لبلدانها ، وفي هذا سر دفين قديم لعل الاستعمار الذي بادر بالسيطرة الباكرة على مصاير شعوب تلك البلدان وغيرها من دول السواحل الإفريقية ، يعلم خبايا ذلك السر الذي جاء به إلى تلك الأصقاع وهو سر لم يعد يخفى على ذي بصيرة من مواطني أي من هذه البلاد الذين ما يزال معظمهم يتكلمون بلغة المستعمر ويتعلمون بها في مدارسهم ويديرون بها شئونهم الإدارية والاقتصادية بل والاجتماعية.
نالت غينيا كوناكري استغلالها في 2/10/1958م وهي من أوائل الدول الافريقية التي تمكنت من تحرير نفسها من الاستعمار الفرنسي . وكان الرئيس أحمد سيكوتوري أول رئيس لها بعد التحرير ويذكر له انه أمام (ديغول) الفرنسي الذي زار غينيا عام 1958م ، طالب المستعمرين بالخروج من بلاده ودعاهم إلى مغادرتها وقال قولته المشهورة : ( إن الفقر مع الحرية خير من الغنى مع العبودية ) فذهب (ديجول) إلى أهله مغاضباً مقراً باستقلال غينيا ، آمراً جنده بالانسحاب ورعاياه بالعودة بعد أن يفعلوا الأفاعيل في طرقات كوناكري التي هدمت وفي مصانعها التي عطلت وفي مبانيها التي فعلوا بها ما أرادوه وما بدا لهم .
حدث ذلك الخروج بعد ما توالت المطالبات وكثرت التظاهرات والاحتجاجات طلباً للحرية والاستقلال وبعد أن نالت غينيا استقلالها في ذلك الوقت المبكر أطلقوا عليها (الطفل الإفريقي المزعج) وهو تعبير يشير إلى التبرم وعدم الرضا من دعوة التحرر والتي كانت جموع الشعب الغيني تطلقها في وجه المستعمر ... وما هو إلا قليل من الوقت حتى تتالت مطالبات التحرر من شعوب دول الجوار الغيني ، فكان أن استقلت دولة السودان الفرنسي (مالي) عام 1960م وهو العام الذي شهد انفكاك معظم دول الغرب الإفريقي من ذلك الاستعمار كما هو الحال في النيجر وتشاد وغيرهما.
تعرض احمد سيكوتوري إلى ضغوط كثيفة وتمَّ التضييق عليه وحوصرت بلاده ومُنعت عنه الإعانات والمنح والقروض وبدأ هو الاتجاه شرقاً عله يجد عوناً من دول المنظومة الاشتراكية إلا أن ( فاقد الشيء لا يعطيه )فلم يتمكن داعية التحرر من تحقيق الرفاهية للشعب الغيني شأنه في ذلك شان كل من حاول أن يحتمي بالمعسكر الشرقي الذي ينشط لبث أفكاره الشمولية ويتبلد ويتكاسل عندما تُطلب منه الإعانة والمساعدة في نهضة البلاد وتنميتها .
تمكن احمد سيكوتوري من تحرير بلاده مبكراً ونجح في الوصول إلى مراحل الشخصية البارزة المؤثرة في الأوساط الإفريقية إلا أنه لم يتمكن من الاستعانة ببعض أصحاب العقول الغينية الذين عارضوه فاضطر إلى سجنهم ونفيهم كما حدث للمؤرخ المشهور جبريل تمسير نيان الذي نفاه الرئيس سيكوتوري إلى السنغال عام 1970م وهو من اشهر مؤرخي ومفكري القارة الافريقية الذين زاروا السودان فاستُقبل استقبالاً يليق بمكانته من السودانيين والغينيين ، وكان ذلك قبل سنوات قليلة من الآن . ومن الغينيين الذين تعرضوا لما تعرض له المفكر نيان الأستاذ جالو تبلي الذي عمل طويلاً في منظمة الوحدة الافريقية كواحد من أبناء القارة الفاعلين .
لم يكن حكم غينيا سهلاً لأحمد سيكوتوري الذي توفى في 26/3/1984م بل تعرض إلى صنوف من الضغط الداخلي الذي مارسته المعارضة الغينية ضده والتي أخذ بعضها يتعاون مع دول الغرب للإطاحة به وذلك مثلما حدث من تدخل عسكري أجنبي عام 1970م في شئون بلاده إلَّا أنه استطاع أن يتغلب عليه .
وفي عام 1984م تولى الجنرال لانساتا كونتي مقاليد الأمور في بلاده وهو الذي شهدت البلاد في عهده شيئاً من النمو والاستقرار مع فترات من التمرد والتذمر وهو الذي أسس جامعة الجنرال لانسانا كونتي وهي الجامعة الأم والأولى في غينيا كوناكري وتوفى لانسانا في عهد رئيس الوزراء احمد تيجان في يوم 22/ ديسمبر / من عام 2008م .
وأخيراً تسلم الحكم الرئيس موسى واديس كمارا الذي لم يرق للمعارضة ان تتعامل معه ولا أن تترك له الفرصة كي يقدم ما يريد للشعب الغيني ، فانفجرت التظاهرات والاحتجاجات في وجهه واضطر إلى أن يتعامل مع المعارضين بالعنف فأطلق جنوده النار على المتظاهرين الذين قتل منهم عدد كبير كما تزعم المعارضة ويبدو أن الرئيس (كمارا) لم يعمل بمبدأ فصل السلطات ومبدأ الشورى وكان يجمعها كلها تحت إبطه ولم يعر (منتسكيو) صاحب مؤلف (روح القوانين) نظرة وعمل بمبدأ ( أنا الدولة ) . يقول (منتسكيو) : (إذا تجمعت السلطات في يد الحاكم يميل إلى سوء استخدامها) .
ودارت دورة التعارض والنزاع بين الرجل ومعارضيه فحاول أن يلقي باللوم على أحد مساعديه فما كان من الأخير إلَّا أن يشهر مسدسه في وجه الرئيس ويطلق عليه رصاصة أصابته في رأسه نقل من بعدها إلى المغرب للعلاج والاستشفاء فلم يُسمح له بالعودة لكرسي الحكم تارة أخرى فذهب إلى (واغادوغو) في بوركينا فاسو ليستقر هناك وليتمكن رئيس الوزراء من تنظيم وإجراء انتخابات حرة بعد ستة أشهر أعلن في بدايتها حل حكومة كمارا وشكل حكومة جديدة مؤقتة بتاريخ 15/2/2010م لتدير شأن البلاد حتى قيام الانتخابات ، وقد شهد موفد الشهادة العالمية – كاتب هذا المقال – تنصيب هذه الحكومة ووقف على مجريات انتقال السلطة إليها كمشاهد مع المواطنين الغينيين الذين يخشون أن تأتي الديمقراطية بعملاء غينيين من أمريكا أو فرنسا أو ليبيا ويتمنونون أن يأتيهم وطني غيور وقائد من بين أبنائهم المحليين ليتولى شان بلادهم ويقودها نحو الإِعمار والاستقرار .

د. ابراهيم الخضر الحسن ( وزير سابق )
كلية التربية
جامعة افريقيا العالمية

Adil
Admin

عدد المساهمات : 71
تاريخ التسجيل : 31/01/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://wadelhilew.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى